متى سيرفع “مضيق هرمز” شناقة المغرب شِباكه عن جيوب
المغاربة؟!...
حياة البدري
هل أتاك حديث الشناقة؟
أولئك الذين لم يحكموا المغرب وحده، بل حكموا الأسواق كلها…
حكموا البيض والدجاج، والخضر والقطاني، والسيارات والدراجات…
تحكموا في البقر والغنم، وحتى الحمير لم تسلم منهم…
حكموا كل بضاعة قابلة لإعادة البيع، حتى الحجر والرمل…
وربما يوما ما سيبحثون عن طريقة لبيع الهواء نفسه.
إنهم أناس لا يملكون مصانع ولا ضيعات فلاحية ولا إنتاجا
حقيقيا، ولا حتى ذراعا أو كاهلا يتحمل عناء الرجال والرجولة الحقة...إنهم فقط
كائنات تدعي بكونها بشرية.. ولكن رأسمالها الأكبر هو الفهلوة والسنطيحة وكثرة
العلاقات، والدخول بين البائع والمشتري لاقتسام تعب الآخرين دون جهد يذكر.
لقد أصبح الشناقة اليوم أشبه بدولة داخل الدولة، يتحكمون في
الأسعار ويصنعون الأزمات، ويحولون حاجيات الناس البسيطة إلى فرص للربح السريع فوق
معاناة الفقراء والبسطاء. فيصبح المواطن البسيط مع هذا دائما الحلقة الأضعف، يدفع
الثمن في كل مرة، بينما تتضخم أرباح الوسطاء مع كل أزمة أو موسم أو مناسبة.
واللافت أن هؤلاء لم يعودوا مجرد وسطاء داخل الأسواق، بل
أصبحوا يحضرون بكل الميادين، حتى صار حضورهم ممتدا إلى مختلف المواد والقطاعات، من
أبسط الحاجيات اليومية إلى السلع الأكثر تعقيدا، في منطق لا يستثني شيئا.
وبذلك، أصبح الشناقة يشكلون ما يشبه “مضيق هرمز” اجتماعيا
واقتصاديا، تمر عبره معظم السلع قبل أن تصل إلى المواطن، فتتضاعف الأسعار وتضيق
القدرة الشرائية وتثقل كاهل الأسر البسيطة وذوي الدخل المحدود. فالمشكل لم يعد
مرتبطا فقط بغلاء المواد أو تقلبات السوق، بل بتضخم دور الوسطاء والمضاربين الذين
وجدوا في حاجيات الناس بابا مفتوحا للربح السريع.
ويظهر هذا الواقع المرير بشكل أكثر حدة خلال المناسبات
الدينية والاجتماعية، خصوصا عيد الأضحى، الذي تحول لدى كثير من الأسر من مناسبة
للفرح والتكافل إلى موسم للقلق والحسابات الصعبة. فارتفاع أثمان الأضاحي لم يعد
يرتبط فقط بعوامل الإنتاج، بل أيضا بالمضاربات التي تعيد تشكيل الأسعار قبل أن تصل
إلى المستهلك النهائي.
والمؤلم في كل هذا ليس الجانب المادي فقط، بل ما يخلفه من
آثار نفسية واجتماعية عميقة داخل الأسر. فكثير من الآباء والأمهات يعيشون ضغطا
صامتا وهم عاجزون عن تلبية أبسط متطلبات أبنائهم أو إدخال فرحة العيد إلى بيوتهم،
وقد تضطر بعض الأسر إلى الاستدانة أو التضحية بحاجيات أساسية حفاظا على توازنها
الاجتماعي وتفاديا لشعور الانكسار أمام الأطفال.
لقد أصبح المواطن البسيط يكتفي أحيانا بالتفرج وإطباق فمه
والصمت أمام موجة الغلاء، ليس اقتناعا بالواقع، بل لأن القدرة على المواجهة أصبحت
أضعف من حجم الضغوط اليومية. وحين تتحول الأعياد إلى مصدر للحزن والقلق بدل الفرح،
فإن الأمر لا يتعلق فقط بأزمة أسعار، بل بأزمة تمس التوازن النفسي والاجتماعي
للمجتمع بأكمله.
والمقلق أكثر أن ثقافة “الشناقة” لم تعد حالة استثنائية، بل
تحولت عند البعض إلى نمط للربح السريع دون إنتاج حقيقي، حيث أصبحت الفهلوة
والسنطيحة وكثرة العلاقات أحيانا بديلا عن العمل والإنتاج. فيربح السمسار في لحظات
ما لا يربحه المنتج بعد أسابيع من الجهد، بينما يبقى المواطن البسيط الحلقة الأضعف
دائما.
إن الأسواق تحتاج اليوم إلى مزيد من الضبط والمراقبة لمحاربة
الاحتكار والمضاربة، لكنها تحتاج أيضا إلى وعي جماعي يعيد الاعتبار لقيمة العمل
والإنتاج، لأن حاجيات الناس الأساسية لا يجب أن تتحول إلى مجال مفتوح للاستغلال.
فالخطر الحقيقي ليس فقط في ارتفاع الأسعار، بل في ذلك الاختناق الاجتماعي الصامت الذي يتسلل إلى البيوت، ويجعل البسطاء يشعرون بأنهم محاصرون داخل “مضيق هرمز” لا يرحم...
