jeudi 15 octobre 2026

 

منتدى الديمقراطية والمساواة يدق ناقوس الخطر بشأن العنف السياسي والإقصاء الإعلامي للنساء

 





الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب تدعو إلى شفافية التزكيات الحزبية، وحماية النساء من العنف السياسي والرقمي، وضمان إعلام منصف يعزز حضورهن في مراكز القرار

 

حياة البدري

 


دعت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب إلى تعزيز الضمانات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بحماية النساء من العنف السياسي، وإرساء شروط شفافة ومنصفة للترشيح والتزكية الحزبية، وضمان حضور متكافئ للنساء في المشهد الإعلامي، باعتبار ذلك مدخلا أساسيا لترسيخ المساواة الفعلية والمناصفة وتعزيز الممارسة الديمقراطية. وجاءت هذه الدعوة خلال الدورة السادسة لمنتدى الديمقراطية والمساواة، الذي نظمته الجمعية يوم 10 أكتوبر 2026 بالدار البيضاء، بمناسبة اليوم الوطني للمرأة المغربية، تحت شعار "أي وضع ومكانة للنساء في السياسة والإعلام؟".

وشكل المنتدى مناسبة لفتح نقاش متعدد الأبعاد حول واقع التمثيلية السياسية للنساء عقب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، وأبرز أشكال العنف والإقصاء التي تواجههن، ومدى استجابة وسائل الإعلام لمقاربة النوع الاجتماعي في تغطية الاستحقاقات الانتخابية، فضلا عن مسؤولية الدولة والأحزاب السياسية والمؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني في توفير شروط المشاركة السياسية الفعلية للنساء، بعيدا عن التمييز والضغط والتهديد والتهميش.

وفي هذا السياق، تم تقديم نتائج تقرير موضوعاتي حول «العنف السياسي ضد النساء والكلفة الديمقراطية»، إلى جانب خلاصات التقرير التركيبي الخاص بالرصد الإعلامي المستجيب للنوع الاجتماعي خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2026، فضلا عن المعطيات المرتبطة ببارومتر التمثيلية السياسية للنساء، بما أتاح الوقوف على الاختلالات التي تعترض مشاركة النساء، سواء في مرحلة اختيار المرشحات ومنح التزكيات أو خلال الحملات الانتخابية والتغطية الإعلامية المصاحبة لها.

 بدء العنف السياسي قبل الحملة الانتخابية

وفي المحور المتعلق بالعنف السياسي ضد النساء وكلفته الديمقراطية، سلط المنتدى الضوء على أهمية مرحلة الترشيح باعتبارها إحدى المحطات الحاسمة في ممارسة الحق في المشاركة السياسية، إذ لا يتوقف الأمر على السماح للنساء بالترشح قانونيا، بل يشمل أيضا ضمان وصولهن إلى المنافسة الانتخابية في ظروف عادلة وشفافة، وتمكينهن من فرص متكافئة في الحصول على التزكيات وتولي مواقع متقدمة داخل اللوائح الانتخابية.

وفي هذا الإطار، كشفت المعطيات الواردة في تقرير الجمعية أن النساء شكلن 46 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية، مقابل 36.47 في المائة من مجموع الترشيحات خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2026. غير أن الفجوة تتسع في الدوائر المحلية المفتوحة للمنافسة، حيث لم تتجاوز نسبة النساء 15.9 في المائة من مجموع الترشيحات، فيما لم تتعد نسبة اللوائح المحلية التي تقودها نساء 7.49 في المائة، مقابل تمركز 67.1 في المائة من الترشيحات النسائية داخل الدوائر الجهوية المخصصة للنساء.

وتبرز هذه المؤشرات، وفق المقاربة التي اعتمدتها الجمعية، محدودية انتقال النساء من التمثيلية التي تدعمها المقتضيات القانونية إلى المنافسة الانتخابية العامة ومواقع القيادة السياسية. كما تعيد طرح مسألة المعايير المعتمدة في اختيار المرشحات، ومدى احترام تكافؤ الفرص في الوصول إلى التزكية والترشح وتولي المسؤوليات.

وأكدت الجمعية أن العنف السياسي ضد النساء لا يقتصر على الاعتداء الجسدي أو التهديد المباشر، بل قد يتخذ أشكالا متعددة، من بينها الضغط والإكراه والإقصاء والممارسات التمييزية التي تحد من استقلالية النساء وقدرتهن على ممارسة حقوقهن السياسية بحرية. وقد تبدأ هذه الممارسات قبل انطلاق الحملة الانتخابية، عندما تتحول مساطر التزكية إلى مجال للتضييق أو اتخاذ قرارات غير شفافة أو ممارسة ضغوط تمس إرادة المرشحات.

وفي هذا الصدد، أظهرت نتائج رصد مساطر اختيار المرشحات أن 63.7 في المائة من الأحزاب موضوع الدراسة أظهرت مستوى من الإفصاح الإجرائي عن كيفية اختيار مرشحات الدوائر الجهوية، غير أن 45.5 في المائة سجلت مساطر أكثر وضوحا، مقابل إفصاح جزئي لدى 18.2 في المائة، في حين لم يوثق نشر مسطرة مفصلة لدى 36.4 في المائة من الأحزاب المشمولة بالرصد.

وشددت الجمعية على أن الشفافية في منح التزكيات ليست مجرد مسألة تنظيمية داخلية، بل ضمانة أساسية لحماية الحقوق السياسية للنساء، بما يستوجب الإعلان المسبق عن شروط الترشيح ومعايير المفاضلة والجهات المخولة باتخاذ القرار، وإرساء آليات واضحة للاعتراض والتظلم، فضلا عن التصدي للممارسات التي قد تجعل المال أو النفوذ أو العلاقات الشخصية عوامل مؤثرة في فرص الوصول إلى الترشيح.

كما سجل التقرير ضعفا في آليات الوقاية والتبليغ والتكفل بالنساء ضحايا العنف السياسي داخل الأحزاب الاثني عشر المشمولة بالرصد، إذ صنفتها نتائج البارومتر ضمن المستوى الضعيف في هذا المجال بنسبة 100 في المائة، وفق المعايير المعتمدة. واعتبرت الجمعية أن هذه النتيجة تبرز الحاجة إلى الانتقال من الالتزامات العامة بالمساواة إلى إرساء آليات مؤسساتية واضحة وفعالة تضمن الوقاية والحماية والتظلم والمساءلة.

حماية النساء مسؤولية مشتركة بين الدولة والأحزاب

وفي سياق مناقشة سبل مواجهة العنف السياسي، تناولت أشغال المنتدى الكلفة الديمقراطية لهذه الظاهرة وانعكاساتها على ممارسة الحقوق السياسية وجودة المسار الديمقراطي، من خلال مداخلات متخصصة وشهادات حقوقية ونقاش مفتوح حول آليات الحماية والانتصاف.

وشارك في هذا المحور الأستاذ الجامعي محمد طارق، الذي قدم عرضا حول العنف السياسي ضد النساء وكلفته الديمقراطية، والأستاذة فتيحة شتاتو، رئيسة اللجنة الوطنية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف، التي تناولت دور اللجنة في مواجهة العنف السياسي، إلى جانب شهادات قدمتها الناشطة الحقوقية والمحامية بهيئة الدار البيضاء مريم جمال الإدريسي، والناشطة الحقوقية والقيادية الحزبية منال الثقال. وأيضا تحليل الأزمات والسياسات، في مناقشة مظاهر العنف السياسي ضد النساء وتكلفته.

وأبرزت محاور النقاش أهمية التمييز بين المنافسة السياسية المشروعة والاختلالات التنظيمية من جهة، والممارسات التي قد تشكل تمييزا أو عنفا سياسيا ضد النساء من جهة أخرى، مع ضرورة إخضاع الوقائع للتقييم بناء على طبيعتها والأدلة المتاحة ومدى تأثيرها في حرية النساء واستقلاليتهن وتكافؤ فرصهن.

وأكدت الجمعية أن مسؤولية حماية النساء لا تقع على عاتق الأحزاب وحدها، بل تشمل الدولة أيضا، من خلال ضمان المساواة وعدم التمييز، وتوفير آليات فعالة ومستقلة للتبليغ والتظلم والانتصاف، والتحقيق في الادعاءات الجدية المتعلقة بالعنف السياسي، وضمان المساءلة عند ثبوت الانتهاكات.

 

الرصد الإعلامي يكشف اختلالات في حضور النساء

ومن المحاور الرئيسية التي ناقشها المنتدى الرصد الإعلامي المستجيب للنوع الاجتماعي خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2026، حيث قدمت الجمعية خلاصات تقرير تركيبي يرصد طبيعة حضور النساء في الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون والصحافة الرقمية والبودكاست السياسي ومنصات التواصل الاجتماعي.

وأنجز هذا الرصد خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 22 شتنبر 2026، تحت إشراف الجمعية وبمشاركة فريق من الملاحظات والملاحظين، مع اعتماد شبكات لتفريغ المعطيات جمعت بين التحليل الإحصائي والتحليل السيميائي والدلالي. وشملت العينة مواد من الصحافة المكتوبة، و71 حلقة إذاعية، ونشرات الأخبار والبرامج الحوارية التلفزيونية، و89 وحدة من البودكاست السياسي، وقاعدة بيانات تضم 550 مادة صحفية رقمية، فضلا عن 459 مادة تفاعلية على منصة فيسبوك.

وأظهرت النتائج اختلالات في طبيعة التغطية الإعلامية وموقع النساء داخلها. ففي الصحافة المكتوبة، شكلت الأخبار المقتضبة التي تقل عن 50 كلمة نسبة 50.7 في المائة من المواد المرصودة، بينما أحيلت 86.5 في المائة من التغطيات إلى الصفحات الداخلية. كما لم تبرز الأسماء الصريحة للنساء في العناوين الرئيسية في 69.7 في المائة من الحالات، حيث غلبت صيغ تجميعية من قبيل «مرشحات الحزب»، بما يحد من إبراز الهوية السياسية للنساء وأدوارهن الفردية.

وسجل الرصد أيضا تفاوتا مجاليا في التغطية، إذ بلغ حضور النساء في المواد المرتبطة بالمجال الحضري 54.4 في المائة، مقابل 4.4 في المائة لنساء القرى و1.1 في المائة للهوامش، وهو ما يطرح مسألة التوازن في تمثيل النساء باختلاف مجالات عيشهن ومواقعهن الاجتماعية.

أما في الإذاعة، فقد أظهرت النتائج هيمنة الفاعلين الذكور، الذين حضروا في 78.9 في المائة من الحلقات، مقابل حضور نسائي في 32.4 في المائة منها، في حين سجلت 67.6 في المائة من الحلقات غيابا تاما للأصوات النسائية. كما ظلت مداخلات النساء محدودة زمنيا في عدد من البرامج، بما يثير تساؤلات حول مدى تكافؤ فرص المشاركة في النقاشات السياسية والإعلامية.

وفي التلفزيون، رصد التقرير حضور المرأة بصريا في 49.2 في المائة من المواد، غير أن 51.1 في المائة من المواد الإجمالية لم تمنحها أي زمن فعلي للكلام، بينما اقتصرت مداخلات النساء على فترات تقل عن خمس دقائق في 36.3 في المائة من الحالات. وتكشف هذه النتائج عن مفارقة بين ظهور النساء أمام الكاميرا وتمكينهن فعليا من التعبير عن مواقفهن ومناقشة البرامج والقضايا الانتخابية.

الإعلام الرقمي بين ضعف التمثيل وتصاعد العنف

وامتدت الاختلالات إلى الوسائط الرقمية، حيث سجل البودكاست السياسي غياب النساء عن 89.9 في المائة من الحلقات المرصودة، أي 80 حلقة من أصل 89، وفق المعطيات الواردة في التقرير. وفي الصحافة الرقمية، هيمنت المقالات الخاطفة بنسبة 46.5 في المائة والتقارير الموجزة بنسبة 21.5 في المائة، مقابل حضور محدود للتحقيقات الميدانية التي لم تتجاوز 1.3 في المائة، والبورتريهات التي سجلت 0.5 في المائة.

 

كما أظهرت النتائج تفاوتا في توقيع المواد الصحفية الرقمية، إذ بلغت نسبة المواد الموقعة بأسماء صحفيين ذكور 34.5 في المائة، مقابل 7.3 في المائة للصحفيات، في حين وصلت نسبة المواد التي لم يحدد اسم كاتبها إلى 58.2 في المائة.

وعلى منصة فيسبوك، ورغم تسجيل حضور بصري للنساء في 91.9 في المائة من المواد المرصودة، كشفت التعليقات والتفاعلات عن مظاهر مقلقة من العنف السياسي الرقمي. فقد تضمنت 56.5 في المائة من المواد مظاهر صريحة للعنف السياسي، وصنف 26.6 في المائة منها ضمن مستويات الخطورة المرتفعة، بحسب التصنيف المعتمد في التقرير.

وشملت الحالات المرصودة 180 حالة هجوم على الموقف السياسي، و136 حالة تنمر رقمي، و118 حالة سب وقذف، و118 حالة خطاب كراهية، إضافة إلى 16 حالة تحريض على العنف المادي وخمس حالات تهديد جنسي. كما سجل التقرير مظاهر للتشكيك في كفاءة المرأة القيادية بنسبة 44.4 في المائة، وتسليط الاهتمام على مظهرها بنسبة 27.4 في المائة.

واعتبرت الجمعية أن هذه المعطيات تكشف عن مفارقة تتمثل في اتساع إمكانية ظهور النساء في الفضاء الرقمي، مقابل استمرار ممارسات عدائية قد تحول المنصات الاجتماعية إلى مجال للضغط والترهيب والتشهير، بما يهدد حق النساء في التعبير والمشاركة السياسية دون خوف من الاستهداف.

 

صور نمطية وإقصاء للنساء من قضايا المساواة

وخلص التحليل الكيفي للتغطيات الإعلامية إلى وجود اختلالات بنيوية، من بينها تقديم النساء باعتبارهن عناصر مكملة للمشهد السياسي دون منحهن مساحة كافية للتعبير، وهيمنة الفاعلات المنتميات إلى الأحزاب ذات الفرق البرلمانية على حساب الخبيرات المستقلات والفاعلات المدنيات، فضلا عن محدودية تناول عدد من الملفات المرتبطة بالمساواة وحقوق النساء.

وسجل التقرير تفاوتا في الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والتشريعية، إذ حظي ملف الحماية الاجتماعية بنسبة 61.5 في المائة، وتشريعات المساواة بنسبة 39.4 في المائة، بينما ظل تناول تعديل مدونة الأسرة محدودا، وتراوح بين صفر و6.1 في المائة، كما تراوحت تغطية مناهضة العنف ضد النساء بين 2.8 و7.8 في المائة عبر الوسائط المرصودة.

وأشار التقرير كذلك إلى ضعف تمثيل فئات من النساء تواجه أشكالا متقاطعة من التهميش، إذ بلغت نسبة غياب النساء في وضعية إعاقة نحو 98 في المائة، والمهاجرات 98.6 في المائة، فضلا عن حرمان 89.7 في المائة من المواد من وسائل الولوجيات، ومنها لغة الإشارة، وفق المعطيات الواردة في التقرير.

 

وترى الجمعية أن الإعلام لا يقتصر دوره على نقل الأحداث الانتخابية، بل يساهم أيضا في تشكيل التصورات المجتمعية حول قدرات النساء وأدوارهن، وفي تحديد مدى حضورهن في النقاش العمومي. لذلك، فإن تحقيق إعلام منصف يقتضي تجاوز الصور النمطية، وإبراز الكفاءات والبرامج والمواقف السياسية للنساء، وضمان فرص متكافئة للظهور والمشاركة في الحوارات والبرامج الكبرى.

 

توصيات لتعزيز المناصفة والمشاركة السياسية الفعلية

وفي ضوء هذه النتائج، دعت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب إلى اتخاذ إجراءات عملية تشمل مراجعة وتطوير الضمانات القانونية والتنظيمية التي تحكم المشاركة السياسية للنساء، وإرساء قواعد واضحة وشفافة لاختيار المرشحات ومنح التزكيات، وتعزيز آليات الوقاية من العنف السياسي والتبليغ عنه والتكفل بالنساء المتضررات.

كما طالبت بتعزيز دور الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في تطوير دفاتر التحملات بما يدعم التكافؤ في زمن الكلام الفعلي، خصوصا خلال أوقات الذروة والبث المباشر، وضمان الولوجيات الدامجة في البرامج الانتخابية، مع تشجيع المؤسسات الإعلامية على اعتماد مواثيق تحريرية تضمن ذكر الأسماء الكاملة للنساء وصفاتهن السياسية والمهنية، والقطع مع التوصيفات التي تختزل حضورهن أو تقلل من أدوارهن القيادية.

وشددت الجمعية على ضرورة دعم الصحافة التحليلية والتحقيقات والبورتريهات التي تبرز كفاءات النساء ومواقفهن، وتعزيز حضور الخبيرات والفاعلات السياسيات والمدنيات في النقاشات العمومية، إلى جانب إيلاء القضايا التشريعية المرتبطة بالمساواة ومناهضة العنف ضد النساء مكانة أكثر انتظاما في البرامج السياسية والإعلامية.

وعلى المستوى الرقمي، دعت إلى تطوير آليات لرصد العنف والتشهير والتحريض، وتعزيز مسؤولية المنصات في التصدي للتعليقات العنيفة والتهديدات، مع ضمان سبل التبليغ والحماية ومتابعة الانتهاكات وفق القوانين الجاري بها العمل.

وخلص المنتدى إلى أن تعزيز المشاركة السياسية للنساء لا يمكن أن يتحقق بمجرد رفع أعداد المرشحات أو زيادة تمثيليتهن داخل المؤسسات المنتخبة، بل يستلزم ضمان حقهن في المنافسة والقيادة وصنع القرار، وتوفير بيئة سياسية وإعلامية آمنة ومنصفة. كما أكد أن الديمقراطية القائمة على المساواة والمناصفة تقتضي التزاما فعليا من الدولة والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، من أجل الانتقال من التمثيلية العددية إلى المشاركة الكاملة والفعالة للنساء في الحياة العامة.


mardi 4 août 2026

 سيكولوجية الحشود: عندما تعيد الجماعة تشكيل تفكير الفرد وسلوكه

من العدوى النفسية إلى الهوية الاجتماعية: فهم علمي لسلوك الإنسان داخل 

الجماعة


 إعداد : حياة البدري

 كم من مرة شهدنا حشودا تهتف بصوت واحد، أو تركض في اتجاه واحد، أو تتخذ قرارا جماعيا خلال لحظات قليلة؟ وكم من شخص هادئ ومتزن في حياته اليومية وجد نفسه داخل تجمع بشري يتصرف بطريقة لم يكن يتخيل أنه قد يفعلها وهو بمفرده؟

تكشف هذه المشاهد أن سلوك الإنسان لا يتحدد فقط بسماته الشخصية، بل يتأثر أيضا بالجماعة التي ينتمي إليها. ومن هنا برزت سيكولوجية الحشود كأحد أهم فروع علم النفس الاجتماعي، لفهم الكيفية التي يمكن أن تعيد بها الجماعة تشكيل التفكير والانفعال والسلوك، سواء في الاتجاه الإيجابي الذي يعزز التضامن والتعاون (التعاون خلال فترات الزلازل والفيضانات)، أو في الاتجاه السلبي الذي قد يقود إلى الذعر والعنف واتخاذ قرارات متهورة (الارتماء في أحضان البحر).

 


يعد الإنسان كائنا اجتماعيا بطبيعته، إذ تتشكل شخصيته وتتطور أفكاره داخل الجماعات التي يعيش فيها. إلا أن سلوكه داخل الحشد يختلف في كثير من الأحيان عن سلوكه عندما يكون منفردا، وهو ما دفع علماء النفس والاجتماع إلى دراسة هذه الظاهرة منذ أكثر من قرن. ويقصد بسيكولوجية الحشود دراسة العمليات النفسية التي تؤثر في الأفراد عندما يصبحون جزءا من جماعة كبيرة، وكيف تنتقل بينهم المشاعر والأفكار والسلوكيات بصورة سريعة، بما قد يؤدي إلى تغيير طريقة التفكير واتخاذ القرار.

وقد وضع عالم النفس الاجتماعي الفرنسي "غوستاف لوبون" الأسس الأولى لهذا المجال في كتابه الشهير سيكولوجية الجماهير سنة 1895، قبل أن تتطور هذه الأفكار لاحقا مع إسهامات" سيغموند فرويد"، ثم مع نظريات أكثر حداثة، مثل نظرية الهوية الاجتماعية التي قدمها "هنري تاجفيل" و"جون تيرنر"، والتي ترى أن أفراد الحشد لا يفقدون عقولهم، بل يتصرفون وفق هوية جماعية ومعايير مشتركة. وتكتسب دراسة هذه الظاهرة أهمية متزايدة اليوم في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، والهجرة الجماعية، وانتقال الشائعات بسرعة غير مسبوقة.

 ما هي سيكولوجية الحشود؟

سيكولوجية الحشود هي فرع من فروع علم النفس الاجتماعي يدرس تأثير الجماعة في سلوك الفرد، والآليات النفسية التي تجعل الأشخاص يفكرون أو يشعرون أو يتصرفون بطريقة مختلفة عندما يكونون جزءا من تجمع بشري كبير. وتهتم هذه الدراسة بفهم ظواهر مثل العدوى الانفعالية، والإيحاء الجماعي، والامتثال، والهوية الاجتماعية، وكيف يمكن لهذه العوامل أن تؤثر في اتخاذ القرار.

وقد رأى "غوستاف لوبون" أن الفرد داخل الحشد يصبح أكثر قابلية للإيحاء، وأن المشاعر تنتقل بين الأفراد بسرعة كبيرة، مما يؤدي إلى ذوبان الشخصية الفردية داخل الجماعة. غير أن الدراسات الحديثة أوضحت أن سلوك الحشود لا يكون دائما غير عقلاني، بل قد يكون منظما ويستند إلى أهداف وقيم مشتركة، كما يظهر في حملات التضامن الإنساني، أو المظاهرات السلمية، أو جهود الإغاثة أثناء الكوارث. وبالتالي، فإن الحشد ليس مرادفا للفوضى، بل هو ظاهرة اجتماعية ونفسية تتحدد نتائجها بطبيعة الظروف والقيادة والهوية المشتركة.

أهم الخصائص النفسية للحشود

تتميز الحشود بمجموعة من الخصائص النفسية التي تجعل سلوك الفرد داخل الجماعة مختلفا عن سلوكه الفردي. ومن أهم هذه الخصائص:

1-العدوى الانفعالية  (Contagion émotionnelle)

تعد العدوى الانفعالية من أبرز الظواهر التي تميز الحشود، حيث تنتقل المشاعر بسرعة بين الأفراد. فالخوف، والغضب، والحماس، والفرح، كلها انفعالات يمكن أن تنتشر داخل الجماعة خلال وقت قصير. فعندما يبدأ شخص واحد بالصراخ أو الهروب في موقف غامض، قد يدفع ذلك الآخرين إلى تبني السلوك نفسه دون التأكد من وجود خطر حقيقي. وبالمقابل، يمكن للمشاعر الإيجابية مثل التضامن والحماس أن تنتشر أيضا وتدفع الجماعة إلى أعمال بناءة.

2-القابلية للإيحاء والتأثر

يصبح الفرد داخل الحشد أكثر استعدادا لتقبل الأفكار والمعلومات التي تأتي من المجموعة أو من شخص مؤثر داخلها. ويزداد هذا التأثير عندما تكون الظروف مشحونة بالعاطفة أو عندما يشعر الأفراد بالخوف وعدم اليقين. لذلك تنتشر الشائعات بسرعة في الأزمات، لأن الإنسان يبحث عن تفسير سريع للأحداث، وقد يقبل معلومات غير مؤكدة إذا كانت منسجمة مع مشاعر الجماعة.

3- ذوبان الهوية الفردية

من المفاهيم الأساسية في دراسة الحشود شعور الفرد بأنه جزء من كيان أكبر منه. وهذا قد يؤدي إلى تراجع الإحساس بالمسؤولية الفردية، خصوصًا عندما يشعر الشخص بأنه غير معروف داخل العدد الكبير من المشاركين. وقد يفسر ذلك بعض السلوكيات العنيفة أو المتهورة التي قد لا يقدم عليها الفرد لو كان بمفرده.

 4- تضخم الشعور بالقوة والانتماء

تمنح الجماعة الفرد إحساسا بالقوة والحماية، خصوصا عندما يشعر بأنه يشارك الآخرين القضية أو الهدف نفسه. وهذا الجانب قد يكون إيجابيا عندما يدفع إلى التعاون والتضامن، لكنه قد يصبح سلبيا عندما يتحول إلى رفض للآخرين أو اعتقاد بأن الجماعة دائما على حق.

 5- سيطرة الانفعال على التفكير العقلاني

في بعض الحشود، خاصة خلال لحظات التوتر أو الخوف، قد تصبح القرارات مبنية على المشاعر أكثر من التحليل المنطقي. فالإنسان في حالة الانفعال الشديد يميل إلى الاستجابة السريعة بدل تقييم النتائج بعقلانية.

 أهم الأسباب والدوافع التي تؤدي إلى تشكل الحشود

لا تتشكل الحشود بطريقة عشوائية، بل تقف وراءها مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والسياسية.

أولا: العوامل النفسية

يبحث الإنسان بطبيعته عن الانتماء والأمان. وعندما يشعر بالعزلة أو العجز أو فقدان السيطرة، قد يجد في الجماعة مصدرا للقوة والدعم. كما أن الرغبة في المشاركة وعدم الشعور بالاختلاف عن الآخرين قد تدفع الفرد إلى اتباع المجموعة.

ثانيا: العوامل الاجتماعية

تلعب الظروف الاجتماعية دورا كبيرا في ظهور الحشود، خاصة عندما توجد مشاعر مشتركة مثل الإحباط، أو الإحساس بالتهميش، أو الرغبة في تغيير وضع معين. وفي بعض الحالات، تصبح الجماعة وسيلة للتعبير عن مطالب اجتماعية لم يجد الأفراد طرقا أخرى للتعبير عنها.

 ثالتا: العوامل الاقتصادية والسياسية

تظهر بعض الحشود نتيجة الأزمات الاقتصادية أو السياسية، مثل ارتفاع البطالة، أو غياب فرص العمل، أو الشعور بانعدام العدالة الاجتماعية. ومن هنا يمكن فهم بعض أشكال الهجرة الجماعية، حيث يتحول حلم فردي بالبحث عن مستقبل أفضل إلى حركة جماعية تتأثر بالمحيط الاجتماعي والرسائل المتداولة بين الأفراد.

 رابعا: تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

أحدثت المنصات الرقمية تحولا كبيرا في طريقة تشكل الحشود، فلم تعد الجماعة تحتاج دائما إلى مكان واحد، بل يمكن أن تتشكل افتراضيا ثم تتحول إلى تجمع واقعي. كما ساهمت هذه الوسائل في سرعة انتشار الأخبار والشائعات، مما يزيد من قوة التأثير الجماعي.

 أهم المخاطر والمضاعفات

رغم أن الحشود قد تكون قوة إيجابية، فإنها قد تحمل بعض المخاطر عندما تغيب المعلومات الصحيحة والقيادة الواعية. ومن أبرز هذه المخاطر:

-  انتشار الذعر الجماعي في حالات الأزمات والكوارث.

-  اتخاذ قرارات اندفاعية نتيجة ضغط الجماعة.

-  انتشار الشائعات والمعلومات الخاطئة.

- إمكانية تحول بعض التجمعات إلى عنف أو فوضى.

- استغلال مشاعر الجماعة من طرف أشخاص أو جهات تسعى إلى تحقيق أهداف خاصة.

-  تعرض الأفراد لمخاطر جسدية ونفسية نتيجة الانسياق وراء سلوك جماعي غير محسوب.

كما أن الهجرة الجماعية غير النظامية تمثل مثالا معقدا لهذه الظاهرة، حيث قد تؤدي مشاعر الإحباط وفقدان الأمل، مع تأثير المجموعة، إلى قرارات محفوفة بالمخاطر، رغم معرفة الأفراد بالصعوبات التي قد تواجههم.

 طرق الوقاية والتدخل

لا يتعلق التعامل مع الحشود بمنع وجودها، لأن الجماعات جزء أساسي من حياة الإنسان، بل يتعلق بفهم دينامياتها وتوجيهها نحو السلوك الإيجابي.

ومن أهم وسائل الوقاية هناك:

 -         تعزيز التفكير النقدي: حيث يحتاج الفرد إلى تعلم تحليل المعلومات وعدم الانسياق وراء الشائعات أو الضغوط الجماعية.

-         التربية الإعلامية والرقمية: حيث أصبحت ضرورة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها تساعد على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمعلومات المضللة.

-         التواصل السريع والشفاف أثناء الأزمات: فغياب المعلومات يترك المجال للشائعات، بينما يساعد التواصل الواضح على تهدئة الجماعات.

-         الدعم النفسي والاجتماعي: خصوصا في الفئات التي تعاني من الإحباط أو التهميش، لأن تعزيز الشعور بالأمل والانتماء يقلل من السلوكيات الاندفاعية.

-         تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية: فالكثير من الظواهر الجماعية السلبية ترتبط بوجود مشكلات عميقة تحتاج إلى حلول تتجاوز الجانب الأمني فقط.

وتكشف سيكولوجية الحشود أن الإنسان لا يعيش بمعزل عن محيطه، وأن الجماعة قادرة على التأثير العميق في أفكاره وانفعالاته وقراراته. فالحشد قد يكون مصدرا للتعاون والتضامن والإبداع الجماعي، كما قد يتحول إلى مصدر للخطر عندما تسود العاطفة غير المنضبطة، والشائعات، وغياب الوعي.

ومن ثم، فإن فهم الحشود لا يعني الخوف منها، بل يعني إدراك قوانينها النفسية والاجتماعية، والعمل على بناء مجتمعات أكثر وعيا وقدرة على تحويل الطاقة الجماعية من قوة فوضوية إلى قوة إيجابية تخدم الإنسان والمجتمع.

lundi 25 mai 2026

متى سيرفع “مضيق هرمز” شناقة المغرب شِباكه عن جيوب المغاربة؟!...

 



حياة البدري

 

هل أتاك حديث الشناقة؟

أولئك الذين لم يحكموا المغرب وحده، بل حكموا الأسواق كلها…

حكموا البيض والدجاج، والخضر والقطاني، والسيارات والدراجات…

تحكموا في البقر والغنم، وحتى الحمير لم تسلم منهم…

حكموا كل بضاعة قابلة لإعادة البيع، حتى الحجر والرمل…

وربما يوما ما سيبحثون عن طريقة لبيع الهواء نفسه.

إنهم أناس لا يملكون مصانع ولا ضيعات فلاحية ولا إنتاجا حقيقيا، ولا حتى ذراعا أو كاهلا يتحمل عناء الرجال والرجولة الحقة...إنهم فقط كائنات تدعي بكونها بشرية.. ولكن رأسمالها الأكبر هو الفهلوة والسنطيحة وكثرة العلاقات، والدخول بين البائع والمشتري لاقتسام تعب الآخرين دون جهد يذكر.

لقد أصبح الشناقة اليوم أشبه بدولة داخل الدولة، يتحكمون في الأسعار ويصنعون الأزمات، ويحولون حاجيات الناس البسيطة إلى فرص للربح السريع فوق معاناة الفقراء والبسطاء. فيصبح المواطن البسيط مع هذا دائما الحلقة الأضعف، يدفع الثمن في كل مرة، بينما تتضخم أرباح الوسطاء مع كل أزمة أو موسم أو مناسبة.

واللافت أن هؤلاء لم يعودوا مجرد وسطاء داخل الأسواق، بل أصبحوا يحضرون بكل الميادين، حتى صار حضورهم ممتدا إلى مختلف المواد والقطاعات، من أبسط الحاجيات اليومية إلى السلع الأكثر تعقيدا، في منطق لا يستثني شيئا.

وبذلك، أصبح الشناقة يشكلون ما يشبه “مضيق هرمز” اجتماعيا واقتصاديا، تمر عبره معظم السلع قبل أن تصل إلى المواطن، فتتضاعف الأسعار وتضيق القدرة الشرائية وتثقل كاهل الأسر البسيطة وذوي الدخل المحدود. فالمشكل لم يعد مرتبطا فقط بغلاء المواد أو تقلبات السوق، بل بتضخم دور الوسطاء والمضاربين الذين وجدوا في حاجيات الناس بابا مفتوحا للربح السريع.

ويظهر هذا الواقع المرير بشكل أكثر حدة خلال المناسبات الدينية والاجتماعية، خصوصا عيد الأضحى، الذي تحول لدى كثير من الأسر من مناسبة للفرح والتكافل إلى موسم للقلق والحسابات الصعبة. فارتفاع أثمان الأضاحي لم يعد يرتبط فقط بعوامل الإنتاج، بل أيضا بالمضاربات التي تعيد تشكيل الأسعار قبل أن تصل إلى المستهلك النهائي.

والمؤلم في كل هذا ليس الجانب المادي فقط، بل ما يخلفه من آثار نفسية واجتماعية عميقة داخل الأسر. فكثير من الآباء والأمهات يعيشون ضغطا صامتا وهم عاجزون عن تلبية أبسط متطلبات أبنائهم أو إدخال فرحة العيد إلى بيوتهم، وقد تضطر بعض الأسر إلى الاستدانة أو التضحية بحاجيات أساسية حفاظا على توازنها الاجتماعي وتفاديا لشعور الانكسار أمام الأطفال.

لقد أصبح المواطن البسيط يكتفي أحيانا بالتفرج وإطباق فمه والصمت أمام موجة الغلاء، ليس اقتناعا بالواقع، بل لأن القدرة على المواجهة أصبحت أضعف من حجم الضغوط اليومية. وحين تتحول الأعياد إلى مصدر للحزن والقلق بدل الفرح، فإن الأمر لا يتعلق فقط بأزمة أسعار، بل بأزمة تمس التوازن النفسي والاجتماعي للمجتمع بأكمله.

والمقلق أكثر أن ثقافة “الشناقة” لم تعد حالة استثنائية، بل تحولت عند البعض إلى نمط للربح السريع دون إنتاج حقيقي، حيث أصبحت الفهلوة والسنطيحة وكثرة العلاقات أحيانا بديلا عن العمل والإنتاج. فيربح السمسار في لحظات ما لا يربحه المنتج بعد أسابيع من الجهد، بينما يبقى المواطن البسيط الحلقة الأضعف دائما.

إن الأسواق تحتاج اليوم إلى مزيد من الضبط والمراقبة لمحاربة الاحتكار والمضاربة، لكنها تحتاج أيضا إلى وعي جماعي يعيد الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج، لأن حاجيات الناس الأساسية لا يجب أن تتحول إلى مجال مفتوح للاستغلال.

فالخطر الحقيقي ليس فقط في ارتفاع الأسعار، بل في ذلك الاختناق الاجتماعي الصامت الذي يتسلل إلى البيوت، ويجعل البسطاء يشعرون بأنهم محاصرون داخل “مضيق هرمز” لا يرحم...

mardi 15 octobre 2024

                                               علاج الخجل.. يتطلب معرفة أهم أعراضه وأسبابه

 حياة البدري

 



 تعرف على أبرز أعراض وأسباب الخجل وطرق علاجه والوقاية منه


الخجل مشكلة يمكن التعامل معها إذا تم تحديد أسبابها والعمل على تغيير الأفكار والسلوكات المتعلقة بها. فالمفتاح هو التحلي بالصبر والمثابرة في تطوير الثقة بالنفس والمهارات الاجتماعية.

 

 


الخجل هو حالة نفسية تتميز بالشعور بعدم الارتياح أو القلق عند التفاعل مع الآخرين، خاصة في المواقف الاجتماعية الجديدة أو مع أشخاص غرباء. يتمثل هذا الشعور في عدم الثقة بالنفس والخوف من الرفض أو الحكم السلبي من الآخرين.

وبالرغم من أن الخجل يعتبر حالة طبيعية تصيب الجميع من وقت لآخر، إلا أن بعض الأفراد يعانون من خجل مفرط يعيق قدرتهم على التفاعل بشكل فعال في الحياة الاجتماعية، حيث يختلف مستوى الخجل من شخص لآخر، فقد يكون البعض خجولا في مواقف محددة فقط، مثل التحدث أمام جمهور، بينما قد يكون آخرون خجولين في معظم المواقف الاجتماعية. ويمكن أن يؤثر الخجل على قدرة الشخص في بناء علاقات اجتماعية صحية، والتواصل مع الآخرين بفعالية، وحتى في تحقيق النجاح المهني أو الأكاديمي.

أعراض الخجل:

هناك مجموعة من الأعراض النفسية والجسدية التي قد ترافق الخجل، وتتفاوت شدتها حسب مستوى الخجل الذي يعاني منه الفرد. من هذه الأعراض:

التوتر الجسدي: يظهر في صورة التعرق المفرط، تسارع ضربات القلب، احمرار الوجه والارتجاف. يعكس هذا التوتر الجسدي الشعور بالخوف أو الحرج من المواقف الاجتماعية.

القلق المفرط: يشعر الشخص الخجول بقلق دائم حول كيفية تقييم الآخرين له، ويميل إلى التفكير المفرط في آراء الآخرين عنه، مما يؤدي إلى شعور بعدم الثقة بالنفس.

الانعزال الاجتماعي: يتجنب الأشخاص الخجولون عادة المواقف الاجتماعية أو الأنشطة التي تتطلب منهم التواصل مع الآخرين، مما يؤدي إلى تقليل فرص تكوين صداقات أو علاقات اجتماعية.

 صعوبة في التواصل: يواجه الشخص الخجول صعوبة في بدء المحادثات أو متابعة الحديث، ويشعر بالتوتر عند التفاعل مع الغرباء، وقد يواجه تحديا في التعبير عن أفكاره ومشاعره.

الشعور بعدم الأهمية: يشعر الشخص الخجول بأنه غير مقبول من الآخرين، ويشكك في قدرته على التأثير في محيطه الاجتماعي.

أسباب الخجل:

تتنوع الأسباب التي قد تؤدي إلى ظهور الخجل لدى الأفراد وتتداخل فيها عوامل وراثية، بيئية، نفسية وثقافية.

العوامل الوراثية: تلعب الجينات دورا كبيرا في تحديد مدى تعرض الشخص للخجل. فالأشخاص الذين ينتمون إلى أسر خجولة قد يكونون أكثر عرضة لتطوير هذه السمة نتيجة للعوامل الوراثية.

التجارب السابقة: التجارب السلبية أو المواقف المحرجة التي تعرض لها الشخص في مراحل حياته الأولى، مثل التنمر أو النقد الشديد، قد تؤدي إلى تكوين مشاعر الخجل في المستقبل.

التربية والعوامل البيئية: النشوء في بيئة صارمة أو مفرطة الحماية قد يعزز مشاعر الخجل. فالأطفال الذين يتم تقييدهم من قبل أهاليهم أو يمنعون من التجارب الاجتماعية قد يكبرون ليصبحوا أكثر خجلا.

انعدام الثقة بالنفس: غالبا ما يشعر الأشخاص الخجولون بنقص في الثقة بقدراتهم، مما يجعلهم يترددون في التفاعل مع الآخرين.

التأثيرات الثقافية: بعض الثقافات تعتبر التواضع والانطواء من السمات المرغوبة، وقد يؤدي هذا إلى تعزيز مشاعر الخجل لدى الأفراد في تلك المجتمعات.

طرق علاج الخجل:

التعامل مع الخجل يتطلب معرفة أسبابه وفهم الأعراض التي يعاني منها الشخص. هناك العديد من الطرق التي يمكن من خلالها علاج الخجل ومساعدة الشخص على تطوير مهاراته الاجتماعية وزيادة ثقته بنفسه.

العلاج السلوكي المعرفي/CBT) ):  وهو يعد من أكثر الأساليب فعالية لعلاج الخجل. إذ يركز هذا العلاج على تغيير الأفكار السلبية والمعتقدات الخاطئة المرتبطة بالمواقف الاجتماعية. من خلال جلسات CBT، يتعلم الشخص كيفية التفكير بشكل أكثر إيجابية حول نفسه وكيفية التعامل مع المواقف الاجتماعية بثقة أكبر.

التعرض التدريجي للمواقف الاجتماعية: هذه الطريقة تعتمد على تعريض الشخص تدريجيا للمواقف التي تثير فيه مشاعر الخجل والقلق. بمرور الوقت، يتعود الشخص على هذه المواقف ويتعلم كيفية التعامل معها بشكل أفضل.

التدريب على المهارات الاجتماعية: يساعد التدريب على كيفية بدء المحادثات، إدارة التفاعلات الاجتماعية، والتعبير عن النفس بثقة في تحسين قدرة الشخص الخجول على التواصل مع الآخرين. هذه المهارات يمكن أن تكتسب من خلال الدورات أو الممارسة اليومية.

تمارين الاسترخاء والتأمل: تمارين التأمل وتقنيات الاسترخاء مثل التنفس العميق يمكن أن تساعد في تخفيف التوتر والقلق المصاحب للخجل. هذه التمارين تساعد الشخص على التحكم في ردود فعله الجسدية في المواقف الاجتماعية.

الأدوية: في بعض الحالات الشديدة من الخجل التي ترتبط باضطرابات القلق، قد يلجأ الأطباء إلى وصف أدوية مهدئة أو مضادة للقلق. يجب استخدام الأدوية تحت إشراف طبيب مختص.

الوقاية من الخجل:

من الممكن الوقاية من الخجل أو تقليل حدته من خلال اتباع بعض الاستراتيجيات التي تساعد على تعزيز الثقة بالنفس وتطوير المهارات الاجتماعية.

بناء الثقة بالنفس: يمكن تعزيز الثقة بالنفس من خلال تحديد أهداف صغيرة وتحقيقها، والتركيز على النجاحات البسيطة. تحسين المهارات الشخصية والتفاعل مع الآخرين يعزز الشعور بالقدرة على التحكم في المواقف الاجتماعية.

تطوير المهارات الاجتماعية: التدريب المستمر على المهارات الاجتماعية، مثل التحدث أمام الجمهور أو المشاركة في الأنشطة الجماعية، يساعد في تقليل الخجل وزيادة القدرة على التفاعل بثقة.

الحصول على الدعم الاجتماعي: الأصدقاء والعائلة يمكن أن يكونوا مصدرا قويا للدعم والتشجيع. يمكنهم تقديم النصائح والدعم العاطفي، مما يساعد الشخص الخجول على تخطي المواقف الاجتماعية الصعبة.

المشاركة في الأنشطة الاجتماعية: الانضمام إلى مجموعات أو أندية اجتماعية يمكن أن يساعد في توسيع دائرة العلاقات الاجتماعية، وتوفير الفرص للتفاعل مع الآخرين في بيئة داعمة.

الاعتراف بالخجل والعمل على تحسينه: الاعتراف بوجود مشكلة الخجل هو الخطوة الأولى نحو التغلب عليه. عندما يدرك الشخص أسباب خجله ويبدأ في العمل على تحسين نفسه، يصبح التغلب على الخجل أمرا أكثر واقعية.

وأخيرا يعد الخجل شعورا يمكن أن يؤثر بشكل كبير على حياة الفرد وعلاقاته الاجتماعية، لكن يمكن التغلب عليه من خلال الفهم الجيد لأسبابه والأعراض المرتبطة به. باستخدام العلاج المناسب وتطوير المهارات الاجتماعية، يمكن للشخص الخجول أن يتجاوز تحدياته ويعيش حياة اجتماعية وصحية.